
خاص صدى الولاية الإخباري بقلم: فتحي الذاري
صدى الولاية الإخباري | لم يعد الحصار المفروض على اليمن مجرد سفن تُمنع من الوصول إلى الموانئ، أو طائرات تتوقف في المطارات، بل تحوّل إلى منظومة ضغط تطال الاقتصاد والمصارف والتحويلات والدواء والغذاء والرواتب والخدمات الأساسية.
الحصار اليوم قد يكون قرارًا مصرفيًا يمنع تحويل ثمن شحنة قمح، أو إجراءً يؤخر وصول الدواء، أو قيدًا يضاعف تكلفة الوقود والنقل. وفي جميع هذه الحالات، يبقى المواطن اليمني من يدفع الثمن الأكبر.
من حصار الحديدة إلى حصار الحياة
تمثل موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى شريانًا حيويًا لملايين اليمنيين، ولا سيما أن اليمن يعتمد بصورة واسعة على استيراد الغذاء والدواء والوقود.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن اليمن يضم أكثر من 40 مليون نسمة، وأن أكثر من 21 مليون شخص قد يحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2026.
كما يعاني نحو 18.3 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد، في بلد يستورد قرابة 90 في المئة من احتياجاته الغذائية.
لهذا، لا يمكن النظر إلى تعطيل الموانئ أو ضرب منشآتها أو تأخير الواردات بوصفه إجراءً اقتصاديًا عابرًا. كل تأخير يرفع تكاليف النقل والتأمين والتخزين، ثم تنتقل الفاتورة مباشرة إلى المواطن عبر ارتفاع أسعار الغذاء والدواء والوقود.
حرب اقتصادية بلا دخان
تتخذ الأزمة الاقتصادية في اليمن أشكالًا متعددة، أبرزها الانقسام المصرفي، واضطراب سعر العملة، وتعثر دفع الرواتب، وصعوبة التحويلات، وتراجع الإيرادات العامة، وانكماش النشاط الاقتصادي.
وقد خسر الاقتصاد اليمني أكثر من نصف حجمه منذ بداية الحرب، فيما تراجع دخل الفرد الحقيقي بصورة حادة. ويعني ذلك أن المواطن لا يواجه ارتفاع الأسعار فقط، بل يواجه أيضًا تراجع قدرته على شراء احتياجاته الأساسية.
عندما يعجز تاجر القمح عن تحويل قيمة البضائع، ويتعذر على المستشفى تأمين الوقود، ويفقد المريض القدرة على شراء الدواء، لا تعود الأزمة مجرد أرقام مصرفية، بل تتحول إلى حصار يومي للحياة.
الفاتورة يدفعها اليمنيون
الحصار الاقتصادي وتعطيل البنية التحتية لا يصيبان طرفًا سياسيًا وحده، بل يمتد أثرهما إلى كل منزل يمني.
يدفع الموظف الثمن عندما ينقطع راتبه.
ويدفع المريض الثمن عندما يرتفع سعر الدواء أو ينقطع.
ويدفع المزارع الثمن عندما يعجز عن شراء الوقود والبذور.
وتدفع الأسرة الثمن عندما تصبح الوجبة اليومية عبئًا يفوق قدرتها.
ويؤكد القانون الدولي الإنساني ضرورة حماية المدنيين والمنشآت المدنية، وضمان وصول الغذاء والدواء والمساعدات من دون عوائق.
كما أن استخدام الاحتياجات الأساسية وسيلةً للضغط السياسي يتعارض مع المبادئ الإنسانية، ويفتح الباب أمام عقاب جماعي يدفع ثمنه الأبرياء.
الحصار في ميزان الإسلام
تتصادم سياسة تجويع المدنيين مع أصول الشريعة الإسلامية التي شددت على حفظ النفس والمال والكرامة، ومنعت الإضرار بالناس والاعتداء على حقوقهم.
قال رسول الله: «كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه».
وتؤكد قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» أن تعمد الإضرار بالمدنيين أو منع الضروريات عنهم لا يمكن تبريره سياسيًا أو أخلاقيًا.
كما تقوم مقاصد الشريعة على حفظ النفس والعقل والنسل والمال والدين. والحصار الذي يؤدي إلى الجوع والمرض والفقر والنزوح يهدد هذه المقاصد مجتمعة.
ومن واجب الجوار العربي والإسلامي أن يقوم على التعاون وفتح طرق الحياة، لا على إغلاق المنافذ وتحويل الغذاء والدواء إلى أداتين للتفاوض والابتزاز.
معادلة الصمود اليمنية
أراد صانعو الحصار أن يؤدي الجوع إلى الاستسلام، لكن الشعب اليمني واجه هذه المعادلة بالصبر والصمود والاعتماد على قدراته الذاتية.
وقد فوّض الشعب اليمني السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي والقوات المسلحة اليمنية، وفق الموقف الشعبي المعلن، للدفاع عن اليمن وسيادته واتخاذ الخيارات التي تحمي أرضه وشعبه.
لكن كسر الحصار لا يتحقق بالموقف العسكري والسياسي وحده، بل يحتاج إلى مشروع متكامل يقوم على مسارين.
أرضًا: عبر توسيع زراعة القمح، وتشغيل المصانع، ودعم الإنتاج المحلي، وتطوير الموانئ والطرق، وبناء بدائل اقتصادية تقلل الارتهان للخارج.
إنسانًا: عبر مساندة الأسر المتضررة، وتعزيز التكافل الاجتماعي، ودفع الرواتب، وحماية القطاع الصحي، وإبقاء الجبهة الداخلية متماسكة.
إن شعار «هيهات منا الذلة» يجب أن يتحول إلى برنامج عمل اقتصادي واجتماعي. فعندما تُغلق نافذة للاستيراد، يجب فتح باب للإنتاج، وعندما تتعطل مؤسسة، يجب بناء بديل قادر على حماية احتياجات الناس.
الارتهان للخارج لا يحمي الأنظمة
من يربط بقاءه بالدعم الأميركي أو بحماية الاحتلال الإسرائيلي يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن الدول لا تستقر بالقوة الخارجية وحدها، بل بثقة شعوبها وعدالة مؤسساتها وقدرتها على حماية مصالح مواطنيها.
والنظام الذي يتنكر لهويته العربية والإسلامية، ويضع أمن الخارج فوق كرامة شعبه، يعمق عزلته الداخلية ويفقد شرعيته تدريجيًا.
الشعوب لا تنسى من وقف إلى جانبها في أوقات المحنة، كما لا تنسى من شارك في حصارها أو صمت عن معاناتها.
ما يريده اليمن حق وليس منّة
اليمنيون لا يطلبون منّة من أحد، بل يطالبون بحقهم في الغذاء والدواء والسفر والعمل والرواتب، وبالسيادة الكاملة على أرضهم وموانئهم ومطاراتهم.
اليمن والسعودية جاران بحكم التاريخ والجغرافيا، وستبقى مصلحة الشعبين في بناء علاقة تقوم على الاحترام المتبادل وفتح الحدود والتعاون الاقتصادي وإنهاء الصراع.
السلام الحقيقي لا يُبنى بإغلاق البنوك والموانئ والمطارات، ولا بتجويع المدنيين، بل بضمان الحقوق ووقف الاعتداءات ورفع القيود عن حركة الناس والسلع.
ومهما طال الحصار، لن يستطيع إلغاء إرادة اليمنيين. فالشعب الذي صمد طوال سنوات الحرب يمتلك القدرة على الدفاع عن حقوقه، وبناء اقتصاده، واستعادة قراره الوطني.
اليمن يحتاج إلى رفع الحصار، وحماية المدنيين، وإعادة تشغيل الموانئ والمطارات، ودفع الرواتب، وإطلاق مسار سياسي عادل يحفظ سيادته ووحدته وكرامة شعبه